محمد جمال الدين القاسمي
59
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
خامل الذكر ، لما قدم مكة بال في زمزم ليشتهر بين الناس ، كما في المثل ( خالف تعرف ) وفي ( فتاوى ابن حجر رحمه اللّه ) أن بعض فقهائنا كفّر من ذهب إلى إيمان فرعون ولذا قيل . إن المراد بفرعون ( في كلامه ) النفس الأمارة ، وهذا كله مما لا حاجة إليه - انتهى كلام الشهاب - . أقول : ذكر شيخنا العطار رحمه اللّه في كتابه ( الفتح المبين في رد اعتراض المعترض على محي الدين ) خاتمة في بطلان ما نسب إلى هذا العارف من القول بصحة إيمان فرعون ونجاته ، قال رحمه اللّه : ليعلم أنه شاع فيما بين أهل العلم بأن حضرة محي الدين رضي اللّه عنه قال بإيمان فرعون ونجاته ، والحال أنه ليس كذلك ، كما ستطلع عليه من النقل عنه . بحث في صحة القول بإيمان فرعون ونجاته وعدمها ، حيث الأخذ من الآيات القرآنية ، فكان ذلك منه مجرد بحث في الدليل لا غير ، وما كان هذا قولا بإيمانه قطعيا . وقد بنى مسألة نجاة فرعون وإيمانه على أصلين من أصوله ، وافقه عليهما جم غفير من العلماء الأعلام . الأصل الأول - في بيان حقيقة إيمان اليأس . فإيمان اليأس عنده ، وعند جم غفير من العلماء هو ما كان عند مشاهدة العذاب البرزخي ، كحال المحتضر لا غير ، ففي هذه الحالة لا ينفع الإيمان ، وهذا متفق عليه بين أهل العلم . وذهب قوم إلى أن إيمان اليأس ما كان عند رؤية العذاب دنيويا أو أخرويا . فالإيمان في أي حالة من الحالتين لا ينفع . وعند هذا العارف وجماعة : أن رؤية العذاب الدنيوي لا تمنع صحة الإيمان ، وإن أوجبت الهلاك في الدنيا ، فإن سنة اللّه قاضية بأن يتحتم وقوع الهلاك الدنيويّ لمن رأى هذا العذاب ، وإن آمن ونجا من عذاب الآخرة ، إلا قوم يونس ، فإنه تعالى نجاهم منه ، كما ذكره تعالى . الأصل الثاني - من أصوله رضي اللّه عنه : أن من حقت عليه الكلمة لا يتلفظ بمادة الإيمان بقصد الإيمان ، وإن تلفظ بها لا يقصده ، فلا بد من تكذيب اللّه تعالى له ، ولو بالحكاية عنه ، كما قال تعالى : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] ، وكما قال : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [ الحجرات : 14 ] ، فكذبهم تعالى في دعواهم . وهذا الأصل مأخوذ من قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 96 - 97 ] ، فكلمة حَتَّى للغاية . فغيّا تعالى إيمانهم إلى حين رؤية